الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

355

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مع كثرة الأسباب لقهره لأن القهر قد يصدر من جراء القلق من مطالب حاجاته فإن فلتات اللسان سريعة الحصول كما قال تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] وقال : وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً [ الإسراء : 28 ] . والقهر : الغلبة والإذلال وهو المناسب هنا ، وتكون هذه المعاني بالفعل كالدّعّ والتحقير بالفعل وتكون بالقول قال تعالى : وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً [ النساء : 5 ] ، وتكون بالإشارة مثل عبوس الوجه ، فالقهر المنهي عنه هو القهر الذي لا يعامل به غير اليتيم في مثل ذلك فأما القهر لأجل الاستصلاح كضرب التأديب فهو من حقوق التربية قال تعالى : وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [ البقرة : 220 ] . وقوله : وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ مقابل قوله : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى [ الضحى : 7 ] لأن الضلال يستعدي السؤال عن الطريق ، فالضال معتبر من نصف السائلين . والسائل عن الطريق قد يتعرض لحماقة المسؤول كما قال كعب : وقال كل خليل كنت آمله : * لا ألهينّك أني عنك مشغول فجعل اللّه الشكر عن هدايته إلى طريق الخير أن يوسع باله للسائلين . فلا يختص السائل بسائل العطاء بل يشمل كل سائل وأعظم تصرفات الرسول صلى اللّه عليه وسلم بإرشاد المسترشدين ، وروي هذا التفسير عن سفيان بن عيينة . روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن الناس لكم تبع وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا » قال هارون العبدي : كنا إذا أتينا أبا سعيد يقول : مرحبا بوصية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . والتعريف في السَّائِلَ تعريف الجنس فيعم كل سائل ، أي عمّا يسال النبي صلى اللّه عليه وسلم عن مثله . ويكون النشر على ترتيب اللف . فإن فسر السَّائِلَ بسائل معروف كان مقابل قوله : وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [ الضحى : 8 ] وكان من النشر المشوش ، أي المخالف لترتيب اللف ، وهو ما درج عليه « الكشاف » . والنهر : الزجر بالقول مثل أن يقول : إليك عني . ويستفاد من النهي عن القهر والنهر النهي عما هو أشد منهما في الأذى كالشتم والضرب والاستيلاء على المال وتركه محتاجا